بعد جهد طويل تم تشكيل المجلس الوطني السوري الموحد ,والذي لم تحدد قياداته الى هذه اللحظة بالرغم من انها باتت معروفة لكل متابع للحراك السياسي المتصل بالوضع السوري في الاونة الاخيرة . هذا المجلس الذي اثار زوبعة من التأييد واخرى من الانتقاد كان لابد له ان يثير هذا الخلاف نسبة للوضع السياسي السوري خلال النصف قرن الماضي الذي كرس التصحر السياسي في سوريا ,وايضا بسبب الاختلاف الطبيعي بين المكونات السياسية السورية الناشئة والتي ليس لها الخبرة العميقة في اصول التكتيك السياسي الا من رحم ربي . يضاف الى ذلك محاولات النظام القمعي الحثيثة لافشال اي تجمع للمعارضة في اي مكان في هذا العالم وان لم يكن الافشال مستطاع فعلى الاقل التشويش الذي يقوم به النظام كانشاء حزب معارض مؤلف من محمد حبش والطيب التيزيني في نفس الوقت الذي تم انشاء المجلس الوطني فيه , ومؤتمر سميرا ميس الثاني الذي اتى بعد مؤتمر سميرا ميس الاول ,اضافة الى شبكة حقوق الانسان التي تنقل اخبارها قنوات النظام وهي ليس لها اي اصل معروف ضمن المؤسسات الحقوقية العالمية.
مايهمنا اليوم هو هذا المجلس الوطني بعيدا عن المؤتمرات السابقة , فكل محاولات التشويش القادمة من النظام وزبانيته لا اعتقد بان لها ذلك التأثير لان المعارضة السورية اليوم باتت على قدر من الوعي لافعال النظام , فقد تعلمت من تجربتها الفتية في الاشهر السابقة وباتت اليوم تضع خبرتها الناشئة في خدمة مصالحها كما ان الضغط القادم من الشارع السوري على المعارضة بات كبيرا ويجب ان تكون هذه المعارضة على قدر التحديات
يبقى اذا الطرفين المنتقدين للمجلس الوطني والذي يمكن ان نأخذ انتقاداتهم بعين الاعتبار (عين الاعتبار تبلى بالعمى)وهما هيئة التنسيق الوطنية للتغير الديمقراطي برئاسة الرفيق حسن عبد العظيم , والدكتور هيثم مناع المعارض المعروف .
بالنسبة لهيئة التنسيق فلا يخفى على احد في البداية انها ترزح تحت ضغط النظام في الداخل وبالتالي فان صياغة بياناتها لن تكون بتلك القوة التي تأتي من الخارج _وبالطبع هذا لايعتبر تبريرا لعملها لاننا حاليا في وضع ثوري يجب ان تكون فيه هيئة كهذه على مستوى التضحيات التي يقدمها الشعب السوري_ولكن هذا ما يحدث وهذا ما علينا قراءته بتمعن , فالرفيق حسن عبد العظيم المعارض القديم والكهل السياسي لديه من الخبرة مايكفي لتحقيق مناورات سياسية ومراوغات تكتيكية وخصوصا في صياغة الكلام لتحصيل مكاسب سياسية ترضى بها الاقطاب السياسية ضمن الهيئة , وكما نعرف فتعريف السياسة الاول هو (فن الممكن) ومايبدو_ لكل مطلع على تصريحات الرفيق حسن عبد العظيم السابقة عن المجلس الوطني _ماهي الا لعب على الكلمات كنوع من المراوغة والمناورة , ويعود سبب هذه الرؤية من قبل مجتمعنا لان هذا المجتمع خرج من المنطق الجدلي والسياسي وبدأ يتكلم بالمنطق البسيط الذي يدعو الى الصرامة في المواقف والكلمات لان الثورة اصبحت في ضمير كل مواطن سوري هي مبدأ غير قابل للنقاش والمساومة فمن الطبيعي ان يرى كل ثائر بان هيئة التنسيق الوطنية تسعى الى حلول وسطية او تؤيد الاصلاح وذلك ما نفاه الرفيق حسن في بيانه الصحفي الاخير
ولكن غاب عن قيادة الهيئة ان وحدة اقطاب الثورة اليوم تعتبر من الاولويات للمعارضة وان شق الصف بين الهيئة والمجلس الوطني يعود بالفائدة فقط على النظام فنحن الان في حالة قسمة للمجتمع السوري على اثنين (ثورة ونظام)وليس على ثلاثة (مجلس وهيئة ونظام) وهذا بالتأكيد ما سيذهب بزخم الثورة كوحدة متكاملة في وجه النظام القمعي وهنا يكمن خطأ الهيئة .
اما بالنسبة لـ لاءات الهيئة التي طرحتها كشروطا لقبول العمل مع المجلس الوطني فالهيئة اليوم تتعامل مع هذه اللاءات وكأنها دستورا لعملها متناسية بأن من وضع هذه الاسس هم بشر وسوريون ويعرفون تماما مدى اجرام هذا النظام القمعي وبالتالي فان الهيئة كتجمع في معظمه يساري التوجه فهو الاولى من غيره ان يعرف بالتغيرات والتبدلات القادمة من حيث عناد نظام القمع واصرار الثورة على المضيي بطريقها وان الدستور الثابت الذي تضعه الهيئة ماهو الا نوع من الجمود وتخلي عن الديناميكية التي قد يضطرون اليها في الايام القادمة.
اما بالنسبة للدكتور هيثم مناع وهو رجل وطني ومعارض ممن نحترم موقفه فقد وقع في نفس المطب الذي وقعت به هيئة التنسيق من حيث الدستور الثابت بالرغم من ان وجوده في الخارج كان يحتم عليه ان يكون صريحا وقويا في كلامه لانه لا يرزح تحت الضغوط التي تمارس على هيئة التنسيق الوطني.
وقد قدم لنا الدكتور مناع اسبابا لرفضه المجلس الوطني قد يظن البعض بانها منطقية وموضوعية ولكن اذا قمنا بنظرة شاملة مقارنة بالوضع الحالي للثورة السورية سنرى بان الدكتور مناع لم يتحلى بالتأني لابداء موقفه وخصوصا ان الاسباب الكثيرة التي يطرحها عن المجلس من جهة التمثيل ماهي الا فقاعات لا نعرف الهدف منها فكلنا يعرف بان المجلس الوطني هو ليس مجلسا انتقاليا سيحكم سوريا في النصف قرن القادم وحتى لو كان تمثيل الاسلاميين في المجلس يتعدى حجمهم الحقيقي فهذا لا يعني بان سوريا سوف تأخذ الوجه الاسلامي مستقبلا لان اهداف المجلس الوطني باتت محددة في اطار اسقاط النظام ودعم الثورة والوصول الى التحول الديمقراطي وبعد ذلك ستكون صناديق الاقتراع هي الفيصل الوحيد في تحديد هوية سوريا الحديثة, فالتمثيل اليوم ليس هو المشكلة ولا حتى الدعم المالي الذي لا نعرف من اين يأتي به المجلس الوطني (بغض النظر عن تصريحات السيد برهان غليون مؤخراعن الدعم المالي)وذلك لان علاقة الدول ببعضها هي علاقات براغماتية ولا تقوم على مبدئ من ساعدني في مرضي سأساعده في صحتي.
الدكتور هيثم مناع منذ بداية الثورة كان يعمل على الانتقاد للسلبيات التي تقع بها الثورة هادفا من ذلك الى وضع خبرته وتحليله في خدمة تقييم طريق الثورة لايصالها الى الايجابية الصرفة ولكن عذرا دكتور هيثم فالايجاب المطلق ليس حقيقة بل هو مجرد خيال ولا يمكن لثورة ان تكون بالمثالية التي تطالب بها …والعمل بالطريقة التي كنت تعمل بها كانتقاد دائم للسلبيات هو عمل جيد ولكنه لا يصلح لكل الازمنة فالتطورات اليوم في طريق الثورة باتت على مفترق طرق تحتم علينا النظر الى الايجابيات والعمل على دعمها ايضا.
ولكن مع كل ماذكره الدكتور مناع من انتقادات للمجلس الوطني فقد نستطيع شكره لان موقفه كان قريبا من موقف هيئة التنسيق الوطنية وذلك شيء حسن لانه بهذا الموقف ستبقى القسمة على ثلاثة وهي بكل الاحوال افضل من القسمة على اربعة.
المجلس الوطني اليوم هو نتاج جهد طويل لثوار الداخل والقوى المعارضة ويجب علينا ان ندعمه لانه خطابه على مستوى التضحيات التي يقوم بها السوريون على ارض الوطن فبعد كل تلك المطالبات بتوحيد المعارضة المتشرذمة استطاع السوريون الوصول الى صيغة لتوحيد جهودهم وعليهم دعمها لانها تحقق مطالبهم وبالنهاية يبقى الحكم على النتائج والافعال ووعي الشعب السوري كفيل بأن يعرف من خلال الافعال مدى صوابية عمل المجلس من خطأه وسيقيم عمله بثورة اخرى على المجلس فيما لو تعارض عمله مع متطلبات هذه الجماهير فالسوريون اليوم فككو رموز الثورات وباتو يعرفون اين تكون مصالحهم وكيف سينقلبون على من يعمل ضدها .









